الجمعة، 1 مارس 2013

الخوارج



نشأة الخوارج :
هم فئة خرجت على الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) بعد أن كانت تحارب معه إبّان معركة صفّين، وكان تأسيسها في منتصف القرن الهجريّ الأوّل، عندما طلب معاوية التحكيم من عليّ (عليه السلام)، وهي خدعة لجأ إليها معاوية بإشارة من عمرو بن العاص عندما أحسّ بالهزيمة، فأراد معاوية أن يوقع الشكّ في نفر من الذين لم يتركّز الإيمان في قلوبهم ومرقوا من الدين، مروق السهم من الرمية، وهم المخدوعون الذين أجبروا الإمام على قبول التحكيم، وكان على رأسهم الأشعث بن قيس المرتدّ، والذي يبدو من حركته الانقلابيّة أنّه كان على اتّفاق مسبق مع معاوية. وبعد ما تبيّن لهم خدعة رفع المصاحف ومهزلة التحكيم احتجّوا على الإمام قبوله التحكيم. وسبب خروجهم هو رفضهم لنتيجة التحكيم، فرفعوا شعارًا صار رمزًا لتحرّكهم وهو «لا حكم إلّا لله».
فبعد أن أوشك أصحاب الإمام عليّ (عليه السلام) على تحقيق النصر على جماعة معاوية في وقعة صفّين، رفعت جماعة معاوية المصاحف ودعوا أصحاب الإمام عليّ (عليه السلام) إلى ما فيها، فانقسم القوم وقال عروة بن أذينة: تحكّمون في أمر الله الرجال «لا حكم إلّا لله» ورجع عليّ من صفّين فدخل الكوفة ولم تدخل معه الخوارج، فأتوا حروراء فنزل بها منهم اثنا عشر ألفًا، وأمّروا عليهم رجلًا منهم اسمه عبد الله بن وهب الراسبي. وقد قاتلهم الإمام (عليه السلام) في النهروان مقاتلةً شديدة، فنجا منهم عشرة وانهزم اثنان إلى عمان واثنان إلى كرمان واثنان الى سجستان واثنان إلى الجزيرة وواحد إلى تل مورون في اليمن، وهناك بدأت بدع الخوارج تنمو في تلك المواضع.
وعلى أيّ حال، فقد تكوّنت هذه الفرقة من عناصر مختلفة، وظهرت منهم مخالفة الإمام عليّ (عليه السلام) وتجرأوا على مقامه، ونسبوا إليه ما لا يليق بشأنه. وقد نظموا أمورهم، وقاموا بأمر لم يكن وليد وقته، وإنّما هو أمر مدبّر من ذي قبل، فكانت من جرّائها حرب النهروان، وقضى الإمام عليّ (عليه السلام) على زعمائهم بعد النصائح والأعذار. وقبل واقعة النهروان تلبّسوا بالظلم إلى أبعد حدّ، وأباحوا دماء جميع المسلمين، وخضبوا البلاد الإسلاميّة بالدماء، وكانوا يتشدّدون في عقيدتهم، ويرون إباحة دماء المسلمين الذين يخالفون عقيدتهم، فالمسلم المخالف لهم لا عصمة لدمه وعرضه وماله.
ومن أخبارهم: أنّهم أصابوا مسلمًا ونصرانيًّا، فقتلوا المسلم وأوصوا بالنصرانيّ وقالوا: احفظوا ذمّة نبيّكم فيه، وقتلوا عبد الله بن خباب وفي عنقه مصحف، وقالوا: إنّ الذي في عنقك يأمرنا أن نقتلك، فقربوه إلى شاطئ النهر فذبحوه، وبقروا بطن زوجته وهي حامل. وساوموا نصرانيًّا نخلةً له، فقال: هي لكم، فقالوا: والله ما كنّا لنأخذها إلّا بثمن، فقال لهم النصرانيّ: ما أعجب هذا؟ أتقتلون مثل عبد الله بن خباب ولا تقبلون منّا نخلةً إلّا بثمن؟!
إنّ ما يجمع الخوارج على اختلاف فرقهم أمران:
الأوّل: نظريّة الخلافة، وهي أنّ الخليفة لا يكون إلّا بانتخاب حرّ صحيح من المسلمين، ويستمرّ الخليفة ما قام بالعدل مبتعدًا عن الزيغ والخطأ، فإن حاد وجب عزله أو قتله.
الثاني: أنّ العمل جزء من الإيمان، وليس الإيمان الاعتقاد وحده، فمن لم يعمل بفروض الدين وارتكب الكبائر فهو عندهم كافر. ولم يفرّقوا بين ذنب يُرتكب عن قصد وسوء نيّة، وخطإ في الرأي والاجتهاد يؤدّي إلى مخالفة الصواب، وبهذا كفّروا جميع فرق المسلمين وأباحوا دماءهم.

فرق الخوارج:
1. المُحَكِّمة الأولى:
يقال للخوارج مُحَكِّمة، وشُراة. واختلفوا في أوّل من تشرّى[1] منهم، فقيل: عروة ابن حدير أخو مرداس الخارجيّ، وقيل: أوّلهم يزيد بن عاصم المحاربي، وقيل: رجل من ربيعة من بني يشكر، كان مع عليّ (عليه السلام) بصفّين، فلمّا رأى اتّفاق الفريقين على الحكمين استوى على فرسه وحمل على أصحاب معاوية وقتل منهم رجلًا، وحمل على أصحاب عليّ (عليه السلام) وقتل منهم رجلًا، ثمّ نادى بأعلى صوته: ألا إنّي قد خلعت عليّا ومعاوية، وبرئت من حكمهما، ثمّ قاتل أصحاب عليّ (عليه السلام) حتّى قتله قوم من همدان.
ثمّ إنّ الخوارج بعد رجوع عليّ (عليه السلام) من صفّين إلى الكوفة انحازوا إلى حروراء، وهم يومئذ اثنا عشر ألفًا، ولذلك سُمّيت الخوارج حرورية، وزعيمهم يومئذ عبد الله ابن الكواء، وشبث بن ربعي، وخرج إليهم عليّ (عليه السلام) يناظرهم فوضحت حجّته عليهم، فاستأمن إليه ابن الكواء مع عشرة من الفرسان، وانحاز الباقون منهم إلى النهروان، فلمّا قرب منهم عليّ (عليه السلام) وتكلّم إليهم استأمن إليه منهم يومئذ ثمانية آلاف وقالوا: التوبة، وانفرد منهم أربعة آلاف بقتاله (عليه السلام) مع عبد الله بن وهب الراسبي، وحرقوص بن زهير البجلي. وقال عليّ (عليه السلام) للذين استأمنوا إليه: اعتزلوني في هذا اليوم. وقال لأصحابه: قاتلوهم، وقتلت الخوارج يومئذ فلم يفلت منهم غير تسعة أنفس، صار منهم رجلان إلى سجستان، ومن أتباعهما خوارج سجستان، ورجلان إلى اليمن ومن أتباعهما أباضيّة اليمن، ورجلان صارا إلى عمان، ومن أتباعهما خوارج عمان، ورجلان صارا إلى ناحية الجزيرة، ومن أتباعهما كان خوارج الجزيرة، ورجل منهم صار إلى تلّ موزن، فهذه قصّة المُحَكِّمة الأولى. ثمّ خرج على عليّ (عليه السلام) بعد ذلك من الخوارج جماعة كانوا على رأي المُحَكِّمة الأولى، منهم أشرس بن عوف، وخرج عليه بالأنبار، وغفلة التيمي بن تيم عدي، وخرج عليه بماسبذان، والأشهب بن بشر العرني، وخرج عليه بجرجرايا، وسعد بن قفل، خرج عليه بالمدائن، وأبو مريم السعدي، خرج عليه في سواد الكوفة، فأخرج عليّ (عليه السلام) إلى كلّ واحد جيشًا حتّى قتل أولئك الخوارج.

2. الأزارقة[2]:
هؤلاء أتباع نافع بن الأزرق الحنفي المكنّى بأبي راشد، ولم تكن للخوارج قطّ فرقة أكثر عددًا ولا أشدّ منهم شوكةً. والذي جمعهم من الدين أشياء، منها: قولهم بأنّ مخالفيهم من هذه الأمّة مشركون، وكانت المحكمة الأولى يقولون: إنّهم كفرة لا مشركون. ومنها: قولهم إنّ القَعَدة[3]  ممّن كان على رأيهم  عن الهجرة إليهم مشركون وإن كانوا على رأيهم. ومنها: أنّهم أوجبوا امتحان من قصد عسكرهم إذا ادّعى أنّه منهم: أن يدفع إليه أسير من مخالفيهم ويأمروه بقتله، فإن قتله صدّقوه، وإن لم يقتله قتلوه، وقالوا: هذا منافق. ومنها: أنّهم استباحوا قتل نساء مخالفيهم وقتل أطفالهم، وزعموا أنّ الأطفال مشركون، وقطعوا بأنّ أطفال مخالفيهم مخلّدون في النار. وأنكرت الأزارقة الرجم، واستحلّوا كفر الأمانة التي أمر الله تعالى بأدائها، ولم يقيموا الحدّ على قاذف الرجل المحصّن، وأقاموه على قاذف المحصّنات من النساء، وقطعوا يد السارق في القليل والكثير. ثمّ بايع الأزارقة نافع بن الأزرق وسمّوه أمير المؤمنين، وانضمّ إليهم خوارج عمان واليمامة، فصاروا أكثر من عشرين ألفًا، وقاتلهم المهلّب بأمر من عبد الله بن الزبير، وثبت المهلّب وبنوه وأتباعهم على قتالهم تسع عشرة سنة، وانهزمت الأزارقة في آخرها إلى سابور من أرض فارس، وجعلوها دار هجرتهم، إلى أن وقع الخلاف بين الأزارقة، ففارق عبد ربّه الكبير قطريًّا وصار إلى واد بـ‍"جيرفت كرمين" في سبعة آلاف رجل، وفارقه عبد ربّه الصغير في أربعة آلاف، وصار إلى ناحية من كرمان، وبقي قطري في بضعة عشر ألف بأرض فارس، وأرسل الحجّاج لهم جيشًا فقتلهم.

3. النجدات:
هؤلاء أتباع نجدة بن عامر الحنفي، وكان السبب في رئاسته وزعامته أنّ نافع بن الأزرق لمّا أظهر البراءة من القَعَدة عنه بعد أن كانوا على رأيه، وسمّاهم مشركين، واستحلّ قتل أطفال مخالفيه ونسائهم، فارقه أبو فديك وعطيّة الحنفي وجماعة من أتباعهم، وذهبوا إلى اليمامة، فاستقبلهم نجدة بن عامر في جند من الخوارج يريدون اللحوق بعسكر نافع، فأخبروهم بأحداث نافع، وردّوهم إلى اليمامة، وبايعوا بها نجدة بن عامر، واختلفوا عليه فصاروا ثلاث فرق. ومن بدع نجدة: أنّه أسقط حدّ الخمر، ومن كذّب كذبةً صغيرةً وأصرّ عليها فهو مشرك، ومن زنى وسرق وشرب الخمر غير مصرّ عليه فهو مسلم، وأنّه عذر أهل الخطإ في الاجتهاد بالجهالات.

4. الصفريّة[4]:
هؤلاء أتباع زياد بن الأصفر، وقولهم في الجملة كقول الأزارقة، غير أنّ الصفرية لا يرون قتل أطفال مخالفيهم ونسائهم.

5. العجاردة[5]:
العجاردة كلّها أتباع عبد الكريم بن عجرد، وكان من أتباع عطيّة الحنفي، وكانت العجاردة مفترّقة عشرة فرق يجمعها القول بأنّ الطفل يدعى إذا بلغ، وتجب البراءة منه قبل ذلك حتى يدعى إلى الإسلام أو يصفه هو، والعجاردة لا يرون أموال مخالفيهم فيئًا إلّا بعد قتل صاحبه، والعجاردة[6] وافقوا النجدات في بدعهم، وهم يتولّون القَعَدة، إذا عرفوهم بالديانة، ويرون الهجرة فضيلة، لا فريضة، ويحكى عنهم أنّهم ينكرون كون سورة يوسف من القرآن. ثمّ افترقت العجاردة إلى ثماني فرق، لكلّ فرقة مذهب خاصّ بها.

6. الثعالبة:
هؤلاء أتباع ثعلبة بن مشكان[7]، والثعالبة تدّعي إمامته بعد عبد الكريم بن عجرد، وتزعم أنّ عبد الكريم ابن عجرد كان إمامًا قبل أن يخالفه ثعلبة في حكم الأطفال. وصارت الثعالبة ستّ فرق.
7. الإباضيّة :
أجمعت الإباضيّة على القول بإمامة عبد الله بن إباض، الذي خرج في أيّام مروان بن محمّد، وقيل: إنّ عبد الله بن يحيى الإباضي كان رفيقا له في جميع أحواله وأقواله، قال: إنّ مخالفينا من أهل القبلة كفّار غير مشركين، ومناكحتهم جائزة، وموارثتهم حلال، وغنيمة أموالهم من السلاح والكراع عند الحرب حلال، وما سواه حرام، وحرام قتلهم وسبيهم في السرّ غيلةً إلّا بعد نصب القتال وإقامة الحجّة، وإذا غنموا مع الغنائم ذهبًا أو فضّةً فإنّهم يردّونها على أصحابها عند الغنيمة. ثم افترقت الأباضيّة فيما بينهم أربع فرق.

8. البيهسيّة:
أصحاب أبي بيهس الهيصم بن جابر[8]، وقد كان الحجّاج طلبه أيّام الوليد فهرب إلى المدينة، وقتله عثمان ابن حيّان المزني. وكفّر أبو بيهس الواقفيّة، وزعم أنّه لا يسلم أحد حتّى يقرّ بمعرفة الله تعالى والرسل والولاية لأولياء الله تعالى. وذهب قوم من البيهسيّة إلى أنّه لا يحرم سوى ما ورد في قوله تعالى: {قُلْ لاَ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ}، وما سوى ذلك فكلّه حلال. ومن البيهسيّة قوم يقال لهم: العونيّة، وهم فرقتان: فرقة تقول من رجع من دار الهجرة إلى القعود برئنا منه، وفرقة تقول بل نتولّاهم. ومن البيهسيّة صنف يقال لهم: أصحاب التفسير، وصنف يقال لهم: أصحاب السؤال.

9. الشبيبيّة:
نسبةً إلى شبيب بن يزيد الشيباني المكنّى بأبي الصحارى، ويعرفون بالصالحية أيضًا لانتسابهم إلى صالح بن مسرح الخارجي، وخرج على بشر بن مروان في أيّام ولايته على العراق من جهة أخيه عبد الملك بن مروان، وعندما أشرف على الموت قال لأصحابه: قد استخلفت عليكم شبيبًا، وخالف شبيب وأتباعه صالحًا فأجازوا إمامة المرأة منهم إذا قامت بأمورهم وخرجت على مخالفيهم، وزعموا أنّ غزالة أمّ شبيب كانت الإمام بعد قتل شبيب، وبعد ذلك قتلهم الحجّاج جميعًا.

أهم المعتقدات:
قالوا بتكفير الإمام عليّ (عليه السلام) وعثمان والحكمين وأصحاب الجمل، وكلّ من رضي بتحكيم الحكمين. وأنّ مرتكب الكبيرة إذا مات ولم يتب فهو مخلّد في النار وأمّا صغائر الذنوب فإنّ الإنسان إذا تاب منها فالله يغفرها له. وأنكروا التقيّة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورأوا وجوب المواجهة على أيّ حال وإن أدّت إلى القتل. وقالوا إنّ الخلافة حقّ لكلّ مسلم ما دام كفئًا، ولا فرق في ذلك بين القرشي وغير القرشي. وغير ذلك.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 

تعريب وتطوير: www.tempblogge.blogspot.com
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | Grocery Coupons