من الفرق الإسلامية ، وهم القائلون بإمامة زين بن عليّ بن الحسين (عليه السلام) وقد نشأت هذه الفرقة في العصر الذي نبغ فيه زيد بن عليّ وأصبح من أعلام المسلمين وقادتهم المطلعين إلى الإصلاح? ولعب قادتها دورًا بارزًا في تاريخ الحكومات الإسلامية في مختلف الأقطار. ولا تزال هذه الفرقة تعيش من بين عشرات الفرق الإسلامية التي ظهرت في مطلع القرن الثاني وهي الفرقة الأولى من سكان اليمن في العصر الحاضر. والمبدأ الأول الذي قامت على أساسه هذه الفرقة هو اختصاص الإمامة بمن قام بالسيف من أولاد عليّ بن أبي طالب وفاطمة بنت محمد (عليه السلام)? ولهم أصول أخرى وتشريعات في الفقه الإسلامي.
قال النوبختي: الزيدية الذين يدعون (الحسينية)[1] فإنهم يقولون من دعا إلى الله عز وجل من آل محمد فهو مفترض الطاعة، وكان عليّ بن أبي طالب إماما في وقت ما دعا الناس وأظهر أمره، ثم كان بعده الحسين إماما عند خروجه وقبل ذلك إذ كان مجانبا لمعاوية ويزيد بن معاوية حتى قتل، ثم زيد بن عليّ بن الحسين المقتول بالكوفة، أمه أم ولد، ثم يحيى بن زيد بن عليّ المقتول بخراسان وأمه ريطة بنت أبي هاشم عبد الله ابن محمد بن الحنفية، ثم ابنه الآخر عيسى بن زيد بن عليّ، ثم محمد بن عبد الله بن الحسن، وأمه هند بنت أبي عبيدة بن عبد الله، ثم من دعا إلى طاعة الله من آل محمد (صلّى الله عليه وآله) فهو إمام[2].
وقال الشهرستاني: الزيدية أتباع زيد بن عليّ ابن الحسين بن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنهم، ساقوا الإمامة في أولاد فاطمة رضي الله عنها، ولم يجوزوا الإمامة في أولاد فاطمة رضي الله عنها، ولم يجوزوا ثبوت الإمامة في غيرهم، إلا أنهم جوزوا أن يكون كل فاطمي عالم زاهد شجاع سخي خرج بالإمامة، أن يكون إماما واجب الطاعة، سواء كان من أولاد الحسن أو من أولاد الحسين رضي الله عنهما، وعن هذا جوز قوم منهم إمامة محمد وإبراهيم الإمامين ابني عبد الله بن الحسن بن الحسن الذين خرجا في أيام المنصور وقتلا على ذلك، وجوزوا خروج إمامين في قطرين يستجمعان هذه الخصال، ويكون كل واحد منهما واجب الطاعة. وزيد بن عليّ لما كان مذهبه هذا المذهب، أراد أن يحصل الأصول والفروع حتى يتحلى بالعلم، فتتلمذ في الأصول لواصل بن عطاء الغزال رأس المعتزلة ورئيسهم، فاقتبس منه الاعتزال وصارت أصحابه كلهم معتزلة. وقال: كان عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه) أفضل الصحابة، إلا أن الخلافة فوضت إلى أبي بكر لمصلحة رأوها وقاعدة دينية راعوها، من تسكين ثائرة الفتنة وتطييب قلوب العامة، وكان من مذهبه جواز إمامة المفضول مع قيام الأفضل. ولما سمعت شيعة الكوفة هذه المقالة وعرفوا أنه لا يتبرأ من الشيخين رفضوه. وبعد قتل زيد بن عليّ وبعده يحيى بن زيد وبعده محمد وإبراهيم، لم ينتظم أمر الزيدية بعد ذلك حتى ظهر بخراسان صاحبهم، ناصر الأطروش[3]، فطلب ليقتل فاختفى واعتزل الأمر، وصار إلى بلاد الديلم والجبل، ولم يتحلوا بدين الإسلام بعد، فدعا الناس دعوة إلى الإسلام على مذهب زيد بن عليّ فدانوا بذلك، وبقيت الزيدية في تلك البلاد ظاهرين، وكان يخرج واحد بعد واحد من الأئمة ويلي أمرهم، وخالفوا بني أعمامهم من الموسوية في مسائل الأصول، ومالت أكثر الزيدية بعد ذلك عن القول بإمامة المفضول، وطعنت في الصحابة طعن الإمامية، وهم أصناف ثلاثة: جارودية، وسليمانية، وبترية، والصالحية منهم والبترية على مذهب واحد[4].
وقال هاشم معروف الحسني: إن جماعة من الشيعة والفقهاء قالوا بإمامة زيد بن عليّ، وكانوا يرون رأيه في الثورة على الأمويين، أما إنه ادعى الإمامة وثار من أجلها فليس فيما بأيدينا من الأدلة ما يؤكد ذلك. إن بعض الكتاب قد ذهبوا إلى أن زيدا تتلمذ على واصل بن عطاء، وإنه كان معتزليا في أصول الإسلام، وذلك نتيجة تأثره بأستاذه واصل بن عطاء. وقد تعرض لهذه المسألة الشيخ أبو زهرة في كتابه الإمام زيد، ورجح بأن زيدا من حيث تقارب سنه مع واصل بن عطاء، ومن حيث كفاءاته التي عرف بها، يتعين أن يكون لقاؤه مع واصل بن عطاء لقاء مذاكرة لا لقاء تلمذة كما يدعون، وإن آراء زيد في الإمامة لا تلتقي مع رأي المعتزلة، ولا يمكن أن يكون تلميذا لواصل، وهو يرى فسق أحد الشخصين لا بعينه، عليّ ومعاوية، ولا يجيز شهادة عليّ (عليه السلام) على باقة بقل كما جاء عنه. وعلى أي الأحوال، فقد قال بإمامة زيد بن عليّ جماعة من الشيعة بعد وفاته[5].
تبلورت الزيدية كفرقة في العصر العباسي واتخذت من زيد الشهيد (رض) رمزًا لتحركها وانتسبت إليه، الانتفاضات التي تلت ثورة زيد (رض) والتي قادها أبناؤه واتباعه كقيام يحيى وعيسى والحسين بن عليّ الفخي ومحمد بن القاسم بن عليّ وأمثالهم غيرت مجرى التاريخ في البلدان التي انتفضوا فيها كاليمن وطبرستان والمغرب، وتولوا زمام أمورها السياسية والدينية مدة طويلة من الزمن.
وقد كان لثورة زيد بن عليّ الشهيد (رض) الأثر الكبير في نفوس المسلمين وبالأخص اتباع المذهب الزيدي حيث اعتبروا هذه الثورة رصيدهم الفكري والسياسي.
وكان السبب في خروج زيد بن عليّ على الحكام الأمويين ما كان يعانيه المسلمون من ظلم الأمويين واستهتارهم بالمقدسات الإسلامية? ولحق الشيعة النصيب الأكبر من تلك السياسة الجائرة? سياسة البطش والقتل والإرهاب والنتكيل بالصلحاء والعلماء. ولما جاء دور هشام بن عبد الملك أحس شيعة العراق بالفرج بواسطة خالد القسري الذي ولاه هشام بن عبد الملك على العراق وانتهج فيها سياسة الرفق واللين? ولكن يوسف بن عمر الثقفي لم يكن واثقًا من سياسة خالد القسري وعلى الأخص مع أهل البيت والهاشميين? فكتب إلى هشام بن عبد الملك: "إن أهل هذا البيت من بني هاشم كانوا قد هلكوا جوعا? حتى كانت همة أحدهم قوت عياله? ولما جاء خالد أعطاهم فقووا بها حتى تاقت نفوسهم إلى طلب الخلافة".
فاستجاب هشام إلى عميله يوسف الثقفي وبادر إلى عزل خالد عن ولاية العراق وسلمها ليوسف بن عمر الثقفي? فعمل كل ما في وسعه لاضطهاد الشيعة? ولم يدع أحدًا معروفًا بموالاة الهاشميين إلا ألقاه في سجنه بواسط[6] فتضاعفت نقمة الشيعة على الأمويين. وفي هذا الجو المظلم المحفوف بالمكاره عاش زيد بن عليه ولحقه ما لحق غيره من الامتهان والعسف والجور? وكان هدفًا لعدوانهم في جميع الحالات? ولما أحس بأنه غير متروك وأنهم يحاولون الوقيعة به مهما كلفهم ذلك من ثمن آثر أن يموت تحت ظلال الأسنة على الحياة المحفوفة بالأخطار والذل والمكاره? وفي هذا الجو الذي كان يعيش به زيد بن عليّ كتب يوسف بن عمر الثقفي إلى هشام بن عبد الملك: بأن خالدا القسري الحاكم السابق للعراق قد أودع زيدا ستمايئة ألف درهم وأنكرها زيد عليه? وبالفعل أرسل هشام يطلب زيدًا من حاكم المدينة? فلبى زيد طلبه? ولما دخل على هشام بن عبد الملك أنكر أن يكون له علم بما ادّعاه يوسف الثقفي حاكم العراق? فرغب إليه هشام أن يذهب إلى العراق لمقابلته، فامتنع زيد من ذلك وعلم أنها مؤامرة بين الوالي والخليفة للتنكيل به. وأصر هشام بن عبد الملك على رأيه? ودار بينهما جدال طويل كان من جملته أن هشاما قال له: بلغني أنك تحدث نفسك بالخلافة وأنت ابن أمة? فأجابه زيد بجرأته المعروفة وصراحته في الحق وعدم مبالاته بالظالمين مهما كانت النتيجة: ويلك أيضعني مكان أمي؟ وقد كانت أم اسماعيل أمة فجعل الله منها العرب وجعل من العرب رسول الله. ثم اتجه إليه زيد ونصحه بتقوى الله والرفق بعباده? فشق على هشام أن يسمع من خصمه السياسي ذلك? فانتهره قائلًا بلهجة المتجبر الحاكم بأمره: ومثلك ي زيد يأمرني بتقوى الله؟ فقال زيد: أنه لا يكبر أحد فوق أن يوصي بتقوى الله? و لا يصغر دون أن يوصي بها? ثم خرج من مجلسه متوجهًا إلى العراق وأقسم أن لا يلقى هشامًا إلا في كتبية حمراء? وطبيعي أن لا يخفى أمره في الكوفة فطالبه الوالي يوسف بن عمر بالمال الذي ادّعاه عليه وأساء معاملته. ولولا أن هشامًا أمره بالكف عنه لما تركه حيًا. وقد حاول أن يرجع إلى المدينة? فاستغاث به أهل الكوفة وأعطوه العهود والمواثيق أن يقاتلوا بني أمية معه? والتفوا حوله? وبايعه منهم كما في رواية المقريزي أربعون ألفًا ?وفي رواية الروض النضير المجلد الأول ص 75 أن الذين بايعوه بلغوا ثمانين ألفًا.
وجاء في شرح النهج وعيون الأخبار لابن قتيبة: أن هشامًا كان يحاول إذلال زيد وامتهانه حينما وفد إلى الشام شاكيًا سوء معاملة حاكم المدينة? فمنعه من الدخول عليه أيامًا. ولمّا أذن له بالدخول أشار إلى جلسائه أن لا يفسحوا له في مجلسه? وقال له: ما فعل أخوك البقرة? يعني بذلك الإمام محمد الباقر (عليه السلام) فأجابه? لقد سماه رسول الله الباقر وأنت تسميه البقرة لشد ما اختلفتما! والله لتخالفه في الآخرة كما خالفته في الدنيا? فترد النار ويرد الجنة? فأمر هشام بإخراجه من منزله فخرج وهو يقول: لن يكره قوم حر السيوف إذا ذلوا.
ومضى إلى الكوفة فاجتمع إليه أهلها وأغروه بالنصرة والتضحية معه مهما كانت النتيجة? وكان ممن بايعه جماعة من الفقهاء? منهم أبو حنيفة? وتعاهده بالمال وحث الناس عليّ الخروج معه? وجاء عنه أنه قال: ان خروجه يضاهي خروج جده يوم بدر[7].
وكانت بيعة الناس لزيد كما يصورها الطبري الدعوة إلى كتاب الله وسنة رسوله وجهاد الظالمين والدفع عن المستضعفين وإعطاء المحرومين وقسمة الفيء بين المسلمين بالسوية? فمن وافقه على ذلك أخذ يده وقال له: عليّك عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسوله لتفين ببيعتي ولتقاتلن عدوي ولتنصحن لي في السر والعلانية فإذا قالوا نعم مسح يده على أيديهم [8].
وتؤكد النصوص الواردة عن الأئمة من أهل البيت أنه لم يدع الإمامة لنفسه? وأن كل ما كان يهمه التخلص من الظلم والطغيان? فقد أورد الكشي عن فضيل الرسان أنه قال: دخلت على أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) بعد أن قُتل عمه زيد بن عليّ (عليه السلام) فقال لي يا فضيل: قُتل عمي زيد بن عليّ! قلت نعم جعلت فداك? فقال رحمة الله أما أنه لو ملك لعرف كيف يضعها.
وفي كثير من المرويات أن الإمام الصادق (عليه السلام) لمّا بلغه ما جرى على عمه زيد بكى واسترجع وقال: رحم الله عمي زيدًا إنه كان نعم العم لديننا ودنيانا? وقد مضى شهيدًا كالذين استشهدوا مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وعليّ والحسين (عليه السلام).
وفي رواية العيص بن القاسم عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال لأصحابه: لا تقولوا خرج زيد فإن زيدًا كان عالمًا صدوقًا لم يدعكم إلى نفسه و إنما دعاكم إلى الرضا من آل محمد "ص" ولو ظفر لوفى بما دعاكم إليه.
وجاء عن الإمام عليّ بن موسى الرضا "ع" أنه قال للمأمون: يا أمير المؤمنين لا تقس أخي زيدًا إلى زيد بن عليّ بن الحسين? فإنه من علماء آل محمد "ص" غضب لله عز وجل فجاهد أعداء الله حتى قتل في سبيله ?فقال المأمون يا أبا الحسن أليس قد جاء فيمن ادّعى الإمامة نفسه ما جاء: قال الرضا (عليه السلام): إن زيدًا لم يدع ما ليس له بحق انه كان اتقى الله من ذلك? انه قال ادعوكم إلى الرضا من آل محمد? وهو ممن خوطب بهذه الآية " وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم".
وقد أكد ولده يحيى ذلك في حديث جرى بينه وبين بعض الشيعة? وجاء فيه: إن أبي أعقل من أن يدعي ما ليس له بحق? إنما قال أدعوكم إلى الرضا من آل محمد وعنى بذلك ابن عمي جعفرا (عليه السلام).
وقد ترجمه علماء الشيعة في كتبهم? المتقدمون منهم والمتأخرون? ووصفوه بالصلاح والورع والعلم ونفوا عنه ما قيل من أمر ادّعاء الإمامة واتفقوا على أنه كان يدعو إلى الرضا من آل محمد? ويعني بذلك ابن أخيه الإمام الصادق (عليه السلام).
ويميل جماعة من الكتاب المتقدمين والمتأخرين إلى أنه ادّعاها لنفسه? معتمدين على دعاة المذهب الذي حدث بعد وفاته بنصف قرن تقريبًا? وقد نسبوا إليه أنه يرى أن الخلافة لا تكون بالوراثة وأن النبي (صلّى الله عليه وآله) نص على الخليفة من بعده بالوصف لا بالاسم? ولا يكون الإمام إلا بعد أن يخرج داعيًا لنفسه. وقد جاء عن زيد بن عليّ من المؤهلات ما جعله في القمة حيث توفرت فيه جميع العناصر والصفات التي جعلته متعينا للإمامة? وأضافوا إلى ذلك أن البيعة التي أخذها من أهل الكوفة تدل على أنه قد اعتمد نفسه إمامًا? لأنها اشتملت على الدعوة إلى كتاب الله وإنصاف المظلومين وقسمة الفيء? ورد المظالم وغير ذلك مما هو من وظائف الإمام الشرعي? وانتهى بعض الكتاب من ذلك إلى أن زيدًا قد ادّعى الإمامة ?وليس في المصادر التاريخية ما ينقض هذه الأدلة[9].
وقد أوردنا من أقوال أئمة الشيعة الذين عاصروه ما ينقض تلك الأدلة التي اعتمدها القائلون بأنه كان طالبًا للإمامة? وإذا أضفنا إلى ذلك ما تؤكده النصوص التاريخية من سوء معاملة الحكام له ومطاردته في الحجاز والعراق. وما لقيه الشيعة والعلويون من يوسف بن عمر الثقفي? من الظلم والتنكيل بهم يتبين لنا أن ثورته كانت للتخلص من تلك الحكومات التي أماتت السنن وأحيت البدع ويسّرت للناس ارتكاب الجرائم والمنكرات? وفي بعض المرويات عنه قال: شهدت هشامًا ورسول الله يسب في مجلسه فلم ينكر ذلك ولم يغير? فوالله لو لم يكن إلا أن وآخر لخرجت عليه[10] وقد ذكرنا صيغة البيعة التي أخذها من الذين أغروه بطاعتهم? وليس فيها ما يشير إلى أنه كان يطلب الخلافة لنفسه? والذي يُستفاد منها أنه كان يحاول انتزاع السلطة من تلك الأيدي الخائنة الملوثة بدماء الأبرياء والصلحاء. وأدلّ شيء على ذلك ما جاء في حديث ولده يحيى مع المتوكل بن هرون قال: "إن أبي لم يكن بإمام ولكنه من السادة الكرام وزهادهم وأنه أعقل من أن يدّعي ما ليس له بحق? لقد دعى الناس إلى الرضا من آل محمد (صلّى الله عليه وآله) وعنى بذلك ابن عمي جعفرا ".
ومهما كان الحال فمما لا شك فيه أن جماعة من الشيعة والفقهاء قالوا بإمامته وكانوا يرون رأيه في الثورة على الأمويين? أما أنه ادعى الإمامة وثار من أجلها فليس فيما بأيدينا من الأدلة ما يؤكد ذلك. ولكن المؤهلات التي اجتمعت فيه خلقت له أنصارًا جعلوه من مصاف الأئمة الهداة من أهل البيت? فلقد قال فيه ابن أبي ليلى? أحد الفقهاء البارزين في عصره: لو علمت أن الناس لا يخذلونه كما خذلوا أبه لجاهدت معه لأنه إمام حق ?وقال فيه أبو حنيفة: شاهدت زيد بن عليّ فما رأيت في زمانه أفقه منه ولا أعلم ولا أسرع جوابًا ولا أبين قولًا. لقد كان منقطع النظير? وقال فيه عبد الله بن الحسن بن الحسن أحد الشيوخ لأبي حنيفة وهو ينصح ولده الحسن بن زيد في عدم الخروج على الحكام: انه قد توالى لك آباء وان أدنى آبائك زيد بن عليّ الذي لم يكن فينا ولا في غيرنا مثله? وكان سفيان الثوري أحد المشاهير في العلم والحديث إذا ذكر زيدًا بكى على ما فقده العلم والفضل والتقى بفقده? ويدعي الشيخ أبو زهرة أن القراء والفقهاء والمحدثين والصلحاء كلهم كانوا يرون أن زيد في الثورة على الأمويين[11].
والقائلون بإمامة زيد يدعون أن الإمامة قد انتقلت منه إلى ولده يحيى بن زيد لأنه خرج بالسيف وكان زاهدًا متعبدًا عالمًا بالحلال والحرام? وقد جاهد مع أبيه في الكوفة? فلما قتل خرج منها متخفيًا مع جماعة إلى كربلاء ومنها إلى المدائن ثم إلى الري من بلاد إيران? وتنقل فيها من بلد إلى بلد متخفيًا حتى انتهى إلى بلخ فنزل على الجريشي بن عبد الرحمن، الشيباني وبقي معه إلى أن تولى الخلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك? فكتب يوسف بن عمر الثقفي إلى نصر بن سيار الوالي على خراسان أن يقبض على يحيى ويرسله إليه? فكتب نصر إلى حاكم بلغ أن يأخذ الجريشي ابن عبد الرحمن أسيرا حتى يسلمه يحيى فتمنع الجريش من تسليم يحيى فألقاه الحاكم في سجنه وضربه ستمائة سوط وهدده بالقتل. وأخيرًا تم له القبض على يحيى بواسطة أحد أبناء الجريش? فأرسله حاكم بلخ إلى نصر بن سيار فألقاه في سجنه مقيدا بالحديد? ثم أطلقه بعد أن استشار الوليد بن يزيد في أمره? فأتى له بحداد ليفك القيد من رجليه. وبلغ الشيعة أن القيد كان في رجلي يحيى فتناقشوا على شرائه حتى بلغ عشرين ألف درهم? وأخيرا تقاسموه بينهم قطعًا صغيرة للتبرك به? ومضى يحيى يتنقل في البلاد? وكان كلما بلغ أمره الناس انضم إليه جماعة وتابعوه حتى بلغ من معه نحوا من سبعمائة تقريبًا? فأمر نصر بن سيار عاملي طوس وسرخس باغتيال يحيى وجماعته? فدارت بينهم وبينه معارك انتهت انتهت بهزيمة العاملين ومن معهما? ولما بلغ يحيى الجوزجان دارت بينه وبين نصر بن سيار معركة دامية انتهت بقتل يحيى بعد أن أصيب بنشابة في جبهته.
وقد خرج من أولاد زيد الشهيد عيسى بن زيد? وكان له من العمر حينما قتل والده أحد عشر عامًا? ولما شبّ وترعرع ساهم في ثورة محمد ابن عبد الله المحض? وبعد قتله اشترك في المعارك مع ابراهيم بن عبد الله التي دارت بينه وبين العباسيين? وأوصى له ابراهيم بالأمر من بعده. وأخيرًا اختفى بين أهل الكوفة وعاش عمرًا طويلًا متخفيًا عن الناس لئلا يقع أسيرًا في يد المهدي العباسي [12] وجاء في الملل والنحل للشهرستاني أن أمر الزيدية لم ينتظم بعد مقتل زيد وولده يحيى ومحمد بن عبد الله وأخيه ابراهيم? إلى أن ظهر ناصر الأطروش في بلاد الديلم والجبل سنة 301 فدعا أهل تلك البلاد إلى الإسلام? فدخلوا فيه على مذهب الزيدية? واستمر أمر الزيدية في تلك البلاد يخرج الواحد منهم بعد الآخر[13].
وعلى أي الأحوال فلقد قال بإمامة زيد بن عليّ جماعة من الشيعة بعد وفاته. ويقرر الشهرستاني وغيره أن فرق الزيدية ثلاثة: جارودية? وسليمانية وبتربية ويضيف إليهم الأشعري في كتابه مقالات الإسلاميين ثلاث فرق أخرى? نعيمية? اتباع نعيم بن اليمان? ويعقوبية نسبة لرجل اسمه يعقوب? وفرقة ثالثة لم ينسبها إلى أحد. ويدعي أن هذه الفرق الثلاثة تتولى أبا بكر وعمر? وتنكر رجعة الأموات? وتتبرأ ممن دان بها? وعليه تكون الفرق الرئيسية للزيدية ثلاثة. والمضاعفات الموجودة في كتب الفرق مصدرها الإختلاف في بعض المسائل بالنسبة لكل واحدة من هذه الفرق الثلاثة.
انتشرت آراء الفرقة الزيدية في العراق واليمن وطبرستان والمغرب، وأسسوا دولًا حكمت تلك البلدان مدة طويلة من الزمن. وكان من ابرز شخصيات الزيدية الدينية والسياسية زيد بن عليّ الشهيد رمز المذهب وإمامه، وزياد بن أبي زياد المنذر الهمداني أبو الجارود (زعيم الجارودية من الفرق الزيدية) وسليمان بن جرير الرقي (زعيم السليمانية) ويحيى بن زيد ومحمد بن عبد الله بن الحسن (النفس الزكية) والحسن بن عليّ بن الحسن (الاطروش) وإدريس بن عبد الله المحض والقاسم الرسي وأمثالهم.
أهم المعتقدات
طرحت الزيدية أفكارا ومعتقدات ميزتها عن غيرها من الفرق الإسلامية، فقالت بإمامة زيد بن عليّ (رض)، واستحقاق الإمامة بالفضل والطلب لا بالوراثة مع القول بتفضيل الإمام عليّ (عليه السلام)، وتنقسم الزعامة الدينية عندهم إلى أربع طبقات هي: طبقة المؤسسين، وطبقة المخرجين، وطبقة المحصلين، وطبقة المذاكرين. وفتحوا باب الاجتهاد المطلق ورجعوا في استنباطهم الشرعي إلى الكتاب والسنة ثم الاستحسان والمصالح المشتركة في القياس.
قالوا أن الإمامة رئاسة عامة وتعد من افرض الفرائض تأتي عن طريقين:
أولهما: التعيين ولا تكون الإمامة إلا في أهل البيت.
وثانيها: الترشيح ومعناه أن يختار من آل البيت ممن تتوفر فيه شروط الإمامة من أولاد الحسن والحسين (عليهما السلام) على السواء.
وأنكروا على الذين حاربوا أمير المؤمنين (عليه السلام) وقالوا انه (عليه السلام) كان مصيبًا في حربه مع طلحة والزبير وغيرهما وان جميع من حاربه وقاتله كان على خطأ وجب على الناس محاربتهم.
واشترطوا في الإمام أن يكون شجاعًا وقالوا: ليس بإمام من جلس في بيته وأرخى ستره وثبط بل الإِمام من قام من آل البيت يدعو إلى كتاب الله وسنة رسوله (صلّى الله عليه وآله) وجاهد على ذلك فاستشهد ومضى وقام آخر بعده يدعو إلى ما دعا إليه إلى أن تنقضي الدنيا.
وحكموا على مرتكبي الكبائر من المسلمين بالفسق، وقالوا بالمنزلة بين المنزلتين فشارب الخمر وفاعل الزنا والسارق لحقوق الناس يسمون فساقًا، أي لا كفرة ولا مؤمنين بل هم في درجة بين الكفر والإيمان. وليسوا بمؤمنين لأن المؤمن في الشريعة يجب مدحه وتعظيمه بخلاف الفاسق فانه لا يجوز مدحه لأن الشرع ورد فيه تعظيم المؤمن وذم الفاسق، ولا يسمون كفارًا حيث إن الأحكام تعاملهم معاملة المؤمنين من جواز مناكحتهم وموارثتهم ودفنهم في مقابر المسلمين. كما انهم حكموا على مرتكب الكبيرة اذا مات وهو مصر عليها فهو خالد في النار لا يخرج منها باستثناء الأطفال لأنهم غير مكلفين.
يقوم منهجها الأصولي والفقهي اعتمادًا على رأي أعلامها في الاقتباس من المذاهب الأخرى.
ويدّعي الأستاذ أبو زهرة أن زيد بن عليّ كان يذهب إلى أن الخلافة بالاختيار لا بالنص وعلى أساس ذلك يجوّز أن يتولاها المفضول مع وجود الفاضل. وحيث أنه قام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ودعا إليهما وهو من أصول المعتزلة فقد وصفوه بالاعتزال وادّعوا أنه تلمّذ لدى واصل بن عطاء كما ينسب إليه القول بعدم اشتراط العصمة.
5:48 ص
Unknown


0 التعليقات:
إرسال تعليق