إحدى الفرق الإسلاميّة، ظهرت على المسرح التاريخيّ اثر الاختلافات حول مقتل عثمان وانقسام الأمّة إلى فريقين، فاتّخذت جانب الحياد في تأييد كلا الفريقين. وقد ساعدت عوامل كثيرة على تركيز الإرجاء وتثبيته، منها: سلوكيّة القاعدين في صدر الإسلام من الأحداث بشكل سلبيّ أمثال سعد بن أبي وقّاص ومحمّد بن مسلمة الأنصاري وأسامة بن زيد وغيرهم، ومنها الدعم الإعلاميّ والسياسيّ من قبل ملوك الدولة الأمويّة لأفكار المرجئة لأنّها حكمت بمشروعيّتهم وتبرير أعمالهم. وانتشرت أفكار المرجئة في بلدان عديدة كالشام والعراق وخراسان والمدينة المنورة.
نشأة المرجئة ومعنى الإرجاء:
المرجئة هم الذين يبالغون في إثبات الوعد، وهم عكس المعتزلة المبالغين في إثبات الوعيد، فهم يرجون المغفرة والثواب لأهل المعاصي، ويرجئون حكم أصحاب الكبائر إلى الآخرة، فلا يحكمون عليهم بكفر ولا فسق ويقولون: إنّ الإيمان إنّما هو التصديق بالقلب واللسان فحسب، وإنّه لا يضرّ مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، فالإيمان عندهم منفصل عن العمل، ومنهم من زعم أنّ الإيمان اعتقاد بالقلب، وإن أعلن الكفر بلسانه وعبد الأوثان، أو لزم اليهوديّة والنصرانيّة وعبد الصليب، وأعلن التثليث في دار الإسلام ومات على ذلك، فهو مؤمن كامل الإيمان عند الله، وهو وليّ الله، ومن أهل الجنّة، ذكر ذلك ابن حزم.
وكلمة الإرجاء على معنيين:
أحدهما: التأخير، يقال: أرجيته وأرجأته، إذا أخّرته، ومنه قوله تعالى: {قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ} أي أمهله وأخّره، وسُمّوا مرجئةً لأنّهم أخّروا العمل عن الإيمان.
ثانيهما: إعطاء الإرجاء، أمّا إطلاق اسم المرجئة على الجماعة بالمعنى الثاني فظاهر، لأنّهم كانوا يقولون: لا يضرّ مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة.
ولقد اضطربت الأقوال حول نشأة هذه الفرقة وبدء تكوينها.
يقول النوبختي: لمّا قتل عليّ (عليه السلام) اتّفقت بقيّة الناكثين والقاسطين وتبعة الدنيا، فقد التقت الفرقة التي كانت مع عليّ (عليه السلام) والفرقة التي كانت مع طلحة والزبير وعائشة، فصاروا فرقةً واحدةً مع معاوية بن أبي سفيان إلّا القليل منهم من شيعة عليّ ومن قال بإمامته بعد النبي (صلّى الله عليه وآله)، وهم السواد الأعظم وأهل الحشو وأتباع الملوك وأعوان كلّ من غلب، أعني الذين التقوا مع معاوية فسُمّوا جميعًا المرجئة لأنّهم توالوا المختلفين جميعًا وزعموا أنّ أهل القبلة كلّهم مؤمنون بإقرارهم الظاهر بالإيمان ورجوا لهم جميعا المغفرة[1]. وافترقت[2] المرجئة بعد ذلك فصارت إلى أربع فرق:
فرقة الجهميّة: أصحاب جهم بن صفوان، وقد غلوا في القول، وهم مرجئة أهل خراسان.
وفرقة الغيلانيّة: أصحاب غيلان بن مروان وهم مرجئة أهل الشام.
وفرقة الماصريّة: أصحاب عمرو بن قيس الماصر، وهم مرجئة أهل العراق، منهم أبو حنيفة ونظراؤه.
وفرقة منهم يسمّون النسّاك والبتريّة أصحاب الحديث، منهم: سفيان بن سعيد الثوري وشريك بن عبد الله وابن أبي ليلى ومحمد بن إدريس الشافعي ومالك بن أنس ونظراؤهم من أهل الحشو والجمهور العظيم، وقد سمّوا الحشويّة[3].
فقالت أوائلهم في الإمامة: خرج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من الدنيا ولم يستخلف على دينه من يقوم مقامه، وجوّزوا فعل هذا الفعل لكلّ إمام أقيم بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله)، ثم اختلف هؤلاء فقال بعضهم: على الناس أن يجتهدوا آراءهم في نصب الإمام وجميع حوادث الدين والدنيا إلى اجتهاد الرأي، وقال بعضهم: الرأي باطل، ولكنّ الله عزّ وجلّ أمر الخلق أن يختاروا بعقولهم. وقال من المرجئة[4] أبو حنيفة وأبو يوسف وبشر المريسي ومن قال بقولهم، في حرب عليّ (عليه السلام) ومحاربة من حاربه: إنّ عليّا (عليه السلام) كان مصيبًا في حربه طلحة والزبير وغيرهما، وإنّ جميع من قاتل عليّا (عليه السلام) وحاربه كان على خطأ، وجب على الناس محاربتهم مع عليّ (عليه السلام)، والدليل على ذلك قول الله عز وجل: {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيء إِلَى أَمْرِ اللهِ}. وفي الواقع أنّ هذه الفرقة سياسيّة، ولكنّها أخذت تخلط بالسياسة أصول الدين، فهم أعوان الأمراء والمنضوون تحت لوائهم، يؤيّدون دولتهم مع ارتكابهم المحارم، وانغماسهم بالجرائم. وقد فسح هذا المبدأ الهدّام للمفسدين والمستهترين طريق الوصول إلى غاياتهم بما يرضي نهمهم، وقد اتّخذوه ذريعةً لمآثمهم، ومبرّرًا لأعمالهم القبيحة، وساترًا لأغراضهم الفاسدة. وقد أيّدوا برأيهم هذا خلفاء الدولة الأمويّة تأييدًا عمليًّا، فهم في الواقع قد فتحوا باب الجرأة على ارتكاب المحارم، وأيّدوا المجرمين، وآزروا الظلمة، وهوّنوا الخطب في العقاب والمؤاخذة.
وذكر أصحاب المقالات أنّ أبا حنيفة النعمان بن ثابت كان من المرجئة، وحكى عنه غسّان الكوفي الذي تنسب إليه الفرقة الغسّانيّة: أنّه كان على مذهبه، ويعدّه من المرجئة، لأنّ أبا حنيفة كان يذهب إلى أنّ الإيمان هو الإقرار باللسان، وإنّ الإيمان لا يزيد ولا ينقص.
أصناف المرجئة:
المرجئة ثلاثة أصناف[5]:
صنف منهم قالوا بالإرجاء في الإيمان، وبالقدر على مذاهب القدريّة، فهم معدودون في القدريّة والمرجئة، كأبي شمر المرجئ، ومحمّد بن شبيب البصري، والخالدي.
وصنف منهم قالوا بالإرجاء في الإيمان، ومالوا إلى قول جهم في الأعمال والأكساب، فهم من جملة الجهميّة والمرجئة.
وصنف منهم خالصة في الإرجاء من غير قدر، وهم خمس فرق: يونسيّة وغسّانيّة وثوبانيّة وتومنيّة ومريسيّة، وهذا الصنف خارجون عن الجبريّة والقدريّة.
فرق المرجئة:
1. اليونسيّة[6]:
هؤلاء أتباع يونس بن عون الذي زعم أنّ الإيمان في القلب واللسان، وأنّه هو المعرفة بالله تعالى، والمحبّة والخضوع له بالقلب، والإقرار باللسان أنّه واحد ليس كمثله شئ، ما لم تقم حجّة الرسل (عليهم السلام)، فإن قامت عليهم حجّتهم لزمهم التصديق بهم، وزعم هؤلاء أنّ كلّ خصلة من خصال الإيمان ولا بعض إيمان، ومجموعها إيمان. والمؤمن[7] إنّما يدخل الجنّة بإخلاصه ومحبّته لا بعمله وطاعته.
2. الغسّانيّة[8]:
هؤلاء أتباع غسّان المرجئ الذي زعم أنّ الإيمان هو الإقرار أو المحبّة لله تعالى وتعظيمه وترك الاستكبار عليه، وقال إنّه يزيد ولا ينقص، وفارق اليونسيّة بأن سمّى كلّ خصلة من الإيمان بعض الإيمان. وقال الشهرستاني: "زعم غسان أن قائلا لو قال: أعلم أن الله تعالى قد حرم أكل الخنزير، ولا أدري هل الخنزير الذي حرمه هذه الشاة، أم غيرها ؟ كان مؤمنا"[9].
3. التومنيّة[10]:
هؤلاء أتباع أبي معاذ التومني الذي زعم أنّ الإيمان ما عصم من الكفر، وهو اسم لخصال من تركها أو ترك خصلةً منها كفر، ومجموع تلك الخصال إيمان، ولا يقال للخصلة منها إيمان ولا بعض إيمان، وزعم أنّ تارك الفريضة التي ليست بإيمان يقال له: فَسَق، ولا يقال له فاسق على الإطلاق إذا لم يتركها جاهدًا. وقال: ومن ترك الصلاة والصيام مستحلًّا كفر، ومن قتل نبيًّا أو لطمه كفر، وإلى هذا المذهب ميل ابن الراوندي وبشر المريسي.
4. الثوبانيّة[11]:
هؤلاء أتباع أبي ثوبان المرجئ الذي زعم أنّ الإيمان هو الإقرار والمعرفة بالله وبرسله وبكلّ ما يجب في العقل فعله، وما جاز في العقل أن لا يُفعل فليست المعرفة به من الإيمان. وفارقوا اليونسيّة والغسّانيّة بإيجابهم في العقل شيئًا قبل ورود الشرع بوجوبه. وقال الشهرستاني: "ومن القائلين بمقالة أبي ثوبان هذا: أبو مروان غيلان بن مروان الدمشقي، وأبو شمر، ومويس بن عمران، والفضل الرقاشي، ومحمد ابن شبيب، والعتابي، وصالح قبه"[12].
5. المريسيّة[13]:
هؤلاء مرجئة بغداد من أتباع بشر المريسي، وكان في الفقه على رأي أبي يوسف القاضي، غير أنّه لمّا أظهر قوله بخلق القرآن هجره أبو يوسف وضلّلته الصفاتيّة في ذلك، ولمّا وافق الصفاتيّة في القول بأنّ الله تعالى خالق أكساب العباد، وفي أنّ الاستطاعة مع الفعل، أكفرته المعتزلة في ذلك، فصار مهجور الصفاتيّة والمعتزلة معًا. وكان يقول في الإيمان: إنّه هو التصديق بالقلب واللسان جميعا، كما قال ابن الراوندي في أنّ الكفر هو الجحد والإنكار، وزعما أن السجود للصنم ليس بكفر، ولكنّه دلالة على الكفر. وقال الشهرستاني: "ونقل عن بشر المريسي أنّه قال: إذا دخل أصحاب الكبائر النار، فإنّهم سيخرجون عنها بعد أن يعذّبوا بذنوبهم، وأمّا التخليد فيها فمحال"[14].
6. العبيديّة[15]:
هؤلاء أصحاب عبيد المكتئب. حكي عنه أنّه قال: ما دون الشرك مغفور لا محالة، وإنّ العبد إذا مات على توحيده لا يضرّه ما اقترف من الآثام واجترح من السيّئات. وحكى اليمان عن عبيد المكتئب وأصحابه أنّهم قالوا: إنّ علم الله تعالى لم يزل شيئًا غيره، وإنّ كلامه لم يزل شيئًا غيره.
7. الصالحيّة[16]:
هؤلاء أصحاب صالح بن عمر الصالحي، وقد جمع بين القدر والإرجاء فقال: الإيمان هو المعرفة بالله تعالى على الإطلاق، وهو أنّ للعالم صانعًا فقط، والكفر هو الجهل به على الإطلاق، وزعم أنّ معرفة الله تعالى هي المحبة والخضوع له. وزعم: أنّ الصلاة ليست بعبادة لله تعالى، وأنّه لا عبادة له إلّا الإيمان به، وهو معرفته وهو خصلة واحدة، لا يزيد ولا ينقص، وكذلك الكفر خصلة واحدة، لا يزيد ولا ينقص.
أعلام المرجئة:
برزت في هذه الفرقة شخصيّات تصدت لنشر الإرجاء وترويجه كان على رأسهم الحسن بن محمد بن الحنفيّة وغيلان بن مروان وعمرو بن قيس الماصر وغسّان المرجئ. ونقل الشهرستاني[17] أنّ رجال المرجئة هم: الحسن بن محمد بن عليّ بن أبي طالب، وسعيد بن جبير، وطلق بن حبيب، وعمرو بن مرّة، ومحارب بن زياد، ومقاتل بن سليمان، وذرّ، وعمرو بن ذرّ، وحماد بن أبي سليمان، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وقديد بن جعفر، وهؤلاء كلّهم أئمّة الحديث.
ذمّ المرجئة
وروي عن النبي (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: "لعنت المرجئة على لسان سبعين نبيًّا"، قيل: من المرجئة يا رسول الله ؟ قال: "الذين يقولون الإيمان كلام"، يعني الذين زعموا أنّ الإيمان هو الإقرار وحده دون غيره. وروى الكليني: محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن النضر بن شعيب، عن أبان بن عثمان، عن الفضيل بن يسار، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: "لا تجالسوهم – يعني المرجئة – لعنهم الله ولعن مللهم المشركة الذين لا يعبدون الله على شئ من الأشياء"[18].
أهمّ المعتقدات:
طرحت فرقة المرجئة أفكارًا كثيرةً، كانت معظمها تدور حول الإيمان وتفسيره نستعرض أهمّها: فكرة تقول أنّ الإيمان هو التصديق بالقلب أو بعبارة أخرى هو معرفة الله، وأضاف بعضهم الإقرار باللسان، واعتبره الركن الثاني من الإيمان ويكاد المرجئة يجمعون على أنّ العمل ليس ركنًا من أركان الإيمان ولا داخلًا في مفهومه. وقالوا أنّ مرتكب الكبيرة مؤمن، لأنّه مصدِّق بقلبه، فاسق لارتكابه الكبيرة، بل منهم من يقول بأنّه لا يصحّ أن يسمّى فاسقًا مطلقًا بل يقال فاسق في كذا. وأنّ المؤمن مرتكب الكبيرة لا يخلّد في النار – على أيّ حال –لإيمانه ويرون أّنه لا يخلّد في النار إلّا الكافر.
وذهبوا إلى أنّ الإمامة ليست واجبةً وأنّه يصلح لها من استوفى الأهليّة ولو كان غير قرشي. وأنّ وعد اللّه لا يتخلّف ووعيده قد يتخلّف، لأنّ الثواب فضل فَيَفي الله به لأنّ الخلف في الوعد نقص والعقاب عدل. وله أن يتصرّف فيه كما يشاء ولا يُعدّ الخلف في الوعيد نقصًا. قالوا: كلّ الطوائف من شيعة ومعتزلة وخوارج وغيرهم مؤمنون، وعدّوا أيضًا كلّ من تأوّل واجتهد مؤمنًا وإن أخطأ، وليس كافرًا إلّا من أجمعت الأمّة على كفره. وأجازوا رؤية الله سبحانه في الآخرة واستدلّوا على ذلك بظواهر جملة من آيات القرآن.
وذهبت المرجئة على اختلاف مذاهبها في الأصول إلى أنّ شفاعة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في إسقاط الضرر لا غير، وأنّها لا تكون في زيادة المنافع، لأنّ حقيقتها في إسقاط الضرر. وأنّ الإيمان لا يزيد ولا ينقص لأنّ أمر التصديق دائر بين الوجود والعدم ومثله تفسير الإيمان بالإقرار باللسان فهو أيضًا كذلك وليس العمل داخلًا في حقيقته. وقالت طوائف من المرجئة: إنّ إبليس لم يسأل الله قط النظرة ولا أقرّ بأنّ خلقه من نار وخلق آدم من تراب، وآخرون قالوا: إنّ النبوّة تكتسب بالعمل الصالح.
5:44 ص
Unknown



0 التعليقات:
إرسال تعليق